في صباح يوم الثلاثاء، 21 أبريل 2026، استيقظت الكويت والعالم العربي على فاجعة غياب أحد أهم أعمدة الفن الأصيل. أُعلن رسمياً عن وفاة الفنانة القديرة حياة الفهد عن عمر ناهز 78 عاماً، بعد انتكاسة صحية مفاجئة أدخلتها العناية المركزة. برحيل "سيدة الشاشة الخليجية"، تُطوى صفحة مضيئة امتدت لأكثر من ستة عقود، لم تكن فيها حياة الفهد مجرد ممثلة عابرة، بل كانت أماً، ومؤلفة، وشاعرة، وصوتاً نابضاً بقضايا المجتمع الخليجي. في هذا الملف التوثيقي من منصة "إيوان"، نرثي قامة فنية لن تتكرر، ونستعرض مسيرتها منذ الخطوة الأولى وحتى المشهد الأخير.
أولاً: الجذور الأولى.. طفولة الفقد وبذور الصلابة
وُلدت حياة أحمد يوسف الفهد في 18 أبريل 1948، في منطقة الشرق بالعاصمة الكويتية. لم تكن طفولتها مفروشة بالورود؛ ففي سن الخامسة، واجهت صدمة اليتم بفقدان والدها، لتنتقل العائلة إلى منطقة "المرقاب". هذا الفقد المبكر غرس فيها صلابة استثنائية واعتماداً جذرياً على الذات.
لم تُتح لها ظروف الحياة فرصة استكمال تعليمها الابتدائي، لكن شغفها بالمعرفة كان أقوى من الظروف. علّمت نفسها القراءة والكتابة ذاتياً، ولم تكتفِ باللغة العربية، بل أتقنت الإنجليزية أيضاً. وقبل أن تلامس قدماها خشبة المسرح، عملت الفهد في مهنة التمريض، حيث صقلت هذه المهنة الإنسانية مشاعرها، وجعلتها قريبة من آلام الناس ومعاناتهم، وهو ما انعكس لاحقاً في صدق أدائها الدرامي وتجسيدها لمعاناة المرأة المكافحة.
ثانياً: الشرارة الأولى.. من مقاعد السينما إلى شاشات التلفزيون
بدأت علاقة حياة الفهد بالفن في أوائل الخمسينيات، عندما سحرتها شاشة السينما بعد مشاهدتها لفيلم من بطولة الموسيقار "فريد الأطرش". تحول هذا الشغف إلى حلم حقيقي في الستينيات عندما بدأت تخطو أولى خطواتها في عالم الإذاعة والتلفزيون. لم تكتفِ الفهد بالتمثيل، بل امتد إبداعها ليشمل الكتابة الدرامية، فصاغت عشرات القصص والسيناريوهات التي عكست عمق المجتمع الكويتي والخليجي.
المفاجأة التي لا يعرفها الكثيرون عن سيدة الشاشة، هي امتلاكها لموهبة شعرية مرهفة؛ فقد أصدرت في نهاية سبعينيات القرن العشرين ديواناً شعرياً يتيماً حمل اسم "عتاب"، لتثبت أنها فنانة شاملة تتعامل مع الكلمة المكتوبة بنفس البراعة التي تتعامل بها مع الكاميرا.
ثالثاً: سيدة الشاشة.. أعمال خالدة حفرت في الذاكرة
عبر عقود من العطاء، شكلت حياة الفهد ثنائيات فنية لا تُنسى، أبرزها مع رفيقة دربها الفنانة القديرة "سعاد عبدالله". أعمالها لم تكن مجرد مسلسلات، بل كانت توثيقاً درامياً لتحولات المجتمع. من ينسى أدوارها الأيقونية في:
- خالتي قماشة: أيقونة الكوميديا السوداء التي جسدت فيها دور الأم المتسلطة ببراعة منقطعة النظير.
- رقية وسبيكة: الثنائي الكوميدي الذي لا يزال يُشاهد حتى اليوم كعلامة فارقة في الكوميديا الخليجية.
- الفرية، أم البنات، وجرح الزمن: روائع تراجيدية عالجت قضايا القهر، الخيانة، وصمود المرأة في وجه تقاليد المجتمع القاسية.
المشهد الأخير: تفاصيل الساعات الحرجة (أبريل 2026)
شهدت بداية عام 2026 تراجعاً ملحوظاً في صحة الفنانة القديرة، مما أدى لغيابها عن الموسم الدرامي الرمضاني لأول مرة منذ سنوات. وبعد رحلة علاجية في لندن، عادت للكويت لاستكمال بروتوكولها العلاجي.
وفي الأيام الأخيرة، تعرضت حياة الفهد لانتكاسة صحية حادة إثر مضاعفات نتجت عن عملية قسطرة، تسببت في حدوث جلطة دماغية استدعت نقلها الفوري إلى غرفة العناية المركزة. ورغم العناية الطبية الفائقة، أسلمت الروح لبارئها صبيحة يوم 21 أبريل، لتعلن "مؤسسة الفهد للإنتاج الفني" خبر الوفاة رسمياً ببيان نعي أدمى قلوب محبيها.
رابعاً: وداعاً يا أم الجميع.. حالة حزن تجتاح الخليج
بمجرد إعلان الوفاة، اتشحت منصات التواصل الاجتماعي بالسواد. تحولت الحسابات الرسمية للفنانين والجمهور على حد سواء إلى سرادق عزاء مفتوح. نعت الفنانة الإماراتية أحلام الشامسي الراحلة بكلمات مؤثرة قائلة: "بقلوبٍ مؤمنة بقضاء الله وقدره، ننعى وفاة الفنانة القديرة حياة الفهد... تركت إرثًا خالدًا سيبقى في ذاكرة الأجيال".
كذلك توافدت برقيات التعزية من كبار نجوم الفن والإعلام في العالم العربي، مؤكدين أن برحيل "أم سوزان"، تفقد الشاشة العربية ركناً أساسياً من أركانها، ووجهاً طالما أدخل البهجة، وانتزع الدموع بصدق أدائه.
كلمة منصة إيوان
رحلت حياة الفهد الجسد، لكن روحها وأعمالها ستبقى حية ترزق في أرشيف التلفزيون وفي ذاكرة كل بيت خليجي وعربي. علّمتنا من خلال شخصياتها كيف تكون المرأة قوية دون أن تفقد حنانها، وكيف يمكن للفن أن يكون رسالة هادفة لا مجرد تسلية عابرة. باسم منصة "إيوان"، نتقدم بأحر التعازي لأسرة الفقيدة، وللشعب الكويتي، وللأسرة الفنية العربية جمعاء. إنا لله وإنا إليه راجعون.
تاريخ النشر: الثلاثاء، 21 أبريل 2026
